ابن حمدون

197

التذكرة الحمدونية

يرضوا بك ولم يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه ، وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار والمقدّمين قبلك ، ولكنّ أهل الشّام أبوا غيرك ، وأيم اللَّه إنّي لأظنّ ذلك شرّا لنا وخيرا لهم ، وإنّه قد ضمّ إليك داهية العرب ، وليس في معاوية خصلة يستحقّ بها الخلافة ؛ فإن تقذف بحقّك على باطله تدرك حاجتك ، وإن تطمع باطله في حقّك يدرك حاجته فيك . اعلم أنّ معاوية طليق الإسلام ، وأنّ أباه من الأحزاب ، وأنّه ادعى الخلافة من غير مشورة ، فإن صدّقك فقد صرّح بخلعه ، وإن كذّبك فقد حرم عليك كلامه ، وإن ادعى أنّ عمر وعثمان استعملاه فصدق : فأمّا عمر استعمله وهو الوالي عليه ، بمنزلة الطبيب من المريض يحميه مما يشتهي ويؤخّره مما يكره ، ثم استعمله عثمان برأي عمر ، وما أكثر من استعملاه ثم لم يدّعوا الخلافة ، وهو منهم واحد . واعلم أنّ لعمرو مع كلّ شيء يسرّك حينا يسوءك . ومهما نسيت فلا تنس أن عليا بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ، فإنها بيعة هدى ، وأنّه لم يقاتل إلا غاصبا أو ناكثا . فقال أبو موسى : رحمك اللَّه واللَّه ما لي إمام غير عليّ ، وإني لواقف عندما أرى ، ولرضى اللَّه أحبّ إليّ من رضى أهل الشام ، وما أنا وأنت إلَّا باللَّه . « 905 » - دخل زيد بن عليّ على هشام بن عبد الملك الرّصافة فسلَّم تسليم الخلافة ، ثم مال فجلس ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه ليس أحد فوق أن يوصى بتقوى اللَّه وإني أوصيك بتقوى اللَّه ، وكفى به جازيا لعباده الصالحين ومثيبا . فظنّ هشام أنه يريد أن يتظلَّم ، فقال : أنت الراجي للخلافة المنتظر لها ، وكيف ترجوها وأنت ابن أمة ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إن شئت أجبت وإن شئت سكتّ ، قال : أجب ، قال : إنه ليس أحد أعظم عند اللَّه منزلة من نبيّ بعثه رسولا ، فلو كانت ولادة أمّ ولد تقصّر به عن بلوغ غاية الأنبياء والرسل لم يبعث

--> « 905 » نثر الدر 1 : 347 ( مع اختلاف ) .